عجوزتي كدخل الرجال لدار ومقدراش نهدر… والسبب كيبورش
كانت فاطمة، عجوز في السبعين من عمرها، تسكن لوحدها في دار قديمة في حي هادئ بمدينة صغيرة. أبناءها كلهم سافرو للشغل في مدن بعيدة، وفاطمة ظلت تعيش بين ذكرياتها وحدها، تتكلم مع الجدران، مع القطط، مع صور العائلة المعلقة على الجدار. كانت دارها مليانة أثاث قديم، وصور بالأبيض والأسود، ورائحة العرق والبخور القديم.
كل صباح، تفتح الباب، تنظر للشارع، تنتظر واحد من الجيران يسلم عليها، أو واحد من الأطفال يمر ويخبرها: «السلام عليكم يا ماما فاطمة». كانت تفرح من أبسط الأشياء، من كلمة، من نظرة، من ضحكة صغيرة.
في أحد الأيام، جا واحد شاب اسمه ياسين، قريب من العائلة، راح يزورها. كان ياسين واحد من النوع اللي يحب يساعد الكبار، يسمعهم، يسمع حكاياتهم، يضحك معهم. لما دخل لدار فاطمة، لقى الباب مفتوح، جالس على الكرسي القديم، ينظر للحائط، كيما كاين واحد ينتظره.
قال لها:
«السلام عليكم يا ماما فاطمة، شحال من زمان ما شفناك!»
فاطمة رفعت راسها، ضحكت، لكنها ما قدراتش تهدر. جاوبته بابتسامة، نظرت له، لكن صوتها ما خرجش. حاولت، فتحت فمها، لكن ما خرجش غير همهمة صغيرة. ياسين فهم أنها ما تقدرش تتكلم، لكن ما عرفش السبب.
قال لها برفق:
«ما بغيتيش تهديري؟»
فاطمة أشارت بإصبعها على قلبها، ثم على راسها، وكأنها تقول: «شي حاجة داخل راسي… ما تخرجش».
السبب اللي ما كانش فالحسبان
ياسين قرر يعاونها، راح معها للطبيب، ولقى أنها تعاني من ضغط داخلي كبير، وقلق، ووحدة، وخوف من الموت، وخوف من أن أبنائها ما يعودوش. الطبيب قال له:
«هي ما مريضةش بجسدها… هي مريضة بقلبها وعقلها. الوحدة قتلتها روحيًا قبل جسديًا».
ياسين فهم أن السبب اللي كيبورش هو الوحدة. فاطمة كانت تعيش في دار مليانة صمت، ما كاينش حد يسمعها، ما كاينش حد يسأله: «كيف حالك؟»، ولا «تحس بواش؟».
قرر ياسين يزورها كل أسبوع، يجلس معها، يسمع حكاياتها، يضحك معها، يساعدها في الشغل الصغير، في الطبخ، في تنظيف الدار. في أول مرة، فاطمة ما قدراتش تهدر، لكنها كانت تضحك، تنظر له، تمسك يده، كيما تقول: «شكرا».
بعد شوية أسابيع، بدأت فاطمة تتكلم. أول كلمة خرجت من فمها كانت:
«شكرا… ياسين».
قال لها وهو يضحك:
«ماشي، هادي بداية… نستمر».
عجوزتي كدخل الرجال لدار
بعد شوية، ياسين جاب معاه واحد من أصدقائه، اسمه مصطفى، واحد من النوع اللي يحب يضحك، يسمع الناس، يعاونهم. لما دخل مصطفى لدار فاطمة، لقى الباب مفتوح، جالس على الكرسي، تضحك مع ياسين، كيما كاين واحد حفل صغير في الدار.
قال لها:
«السلام عليكم يا ماما فاطمة، شحال من زمان ما شفناك!»
فاطمة جابت له كرسي، جلست، بدأت تتكلم، تضحك، تقول:
«الحمد لله، اليوم دار فاطمة مليانة رجال… ما عادش وحيدة».
ياسين قال لها:
«واش كتفضلي الرجال يدخلو لدارك؟»
فاطمة ضحكت وقالت:
«ماشي… لكن واحد شرط: ما تخلونيتش وحيدة. الوحدة هي السبب اللي كيبورش… ما تخلونيتش وحيدة».
ياسين ومصطفى ضحكو، وقالو:
«ماشي، نعدك… ما تخليناكيش وحيدة».
الخاتمة: ما كانش فالحسبان
بعد شوية أشهر، فاطمة بدأت تعيش حياة جديدة. كل يوم، واحد من الشباب يزورها، يساعدها، يسمعها، يضحك معها. الدار اللي كانت مليانة صمت، أصبحت مليانة ضحك، حكايات، قهوة، وضحك.
في مرة، قال لها ياسين:
«واش كتفضلي هادي الحياة؟»
فاطمة ضحكت وقالت:
«الحياة اللي ما كانتش فالحسبان هي الأجمل… كنت نتمنى واحد زوجة، واحد أولاد، واحد حياة… ما كنتش نتمنى واحد وحدة. لكن اليوم، فهمت أن السبب اللي كيبورش هو الوحدة… واللي يخلي الواحد يعيش هو الناس اللي يدخلو لدارك».
ياسين قال لها:
«ماشي… نعدك، ما تخليناكيش وحيدة».
فاطمة ضحكت وقالت:
«ما كانش فالحسبان… لكنه كان الأجمل».

مرحبا بتعليقاتكم وارائكم على موقع اسمع حكايتي سعداء بالاجابة عليها.