كان
الصباح الثالث بعد رحيل جيرميا مختلفًا عن كل صباح عرفته كينيدي في بيت القطيع؛
ليس لأن الشمس أشرقت من جهة أخرى، بل لأن المكان نفسه بدا كأنه استيقظ على نبرة
جديدة، أكثر صلابة، أقل حنانًا. الجدران ذاتها، الممرات ذاتها، الوجوه نفسها، ومع
ذلك كان هناك شيء ما في الهواء يشبه البرودة التي تسبق المطر، لا تُرى، لكنها
تُحَسُّ في العظام.
استيقظت
قبل أن يرن المنبّه، كما يحدث كل ليلة تقريبًا منذ سافر جيرميا. لم تعد تصحو على
صرخاتها هي، بل على صمت ثقيل يجثم فوق صدرها، كأن كابوسها اختار أن يختبئ في ساعات
النهار بدل أن يعلن نفسه في الظلام. فتحت عينيها ببطء، فاستقبلها الفراغ على الجهة
اليمنى من السرير، حيث كان من المفترض أن تكون كتفه، ودفء أنفاسه، وضربات قلبه
التي تعيد ترتيب الفوضى في رأسها.
على حافة
الوسادة، كان قميصه القديم ينتظرها، مطويًا هذه المرة لا ملقى بإهمال كما اعتاد أن
يتركه. ابتسمت في سخرية مريرة؛ حتى قطعة القماش هذه بدأت تتعلّم كيف تكون
"مهذبة" في غيابه. مدّت يدها نحوه، ثم توقفت في منتصف الطريق. شيء
داخلي، لم تستطع أن تسميه، شدَّ أصابعها إلى الخلف، كأنها إن لم تعبُر تلك المسافة
اليوم تحديدًا، فستضطر أخيرًا إلى الاعتراف بأنها قادرة على الوقوف دون تلك
الدعامة الوهمية.
نهضت من
السرير دفعة واحدة، كمن يهرب من قرار مؤجَّل، وسحبت بنطال التدريب من طرف الكرسي،
ثم التقطت قميصًا أسود بسيطًا. ارتدت ملابسها بحركات سريعة، آلية، كأن جسدها يحفظ
هذا الطقس عن ظهر قلب، بينما روحها لا تزال تحاول اللحاق بتسارع الأيام.
حين فتحت الباب، لفحها نسيم الممر البارد. لم يكن هذا البرد من الهواء وحده، بل من النظرات أيضًا؛ تلك النظرات غير المصرَّح بها، التي تختبئ في زاوية العين ثم تتظاهر بالانشغال حين تستدير نحوه. لم تعد تحاول تمييز صاحب كل نظرة، ولا تفسير كل همسة تنطفئ عند حافة الجدار. ما يهمها الآن ليس ما يظنّه القطيع عنها، بل ما يظنه "البيتا".
كان
ينتظرها، كعادته منذ رحيل الألفا، في نهاية الممر، بالقرب من لوحة قديمة تحمل شجرة
نسب القطيع. يقف متصلبًا، ذراعيه معقودتان على صدره، ملامحه أقرب إلى تمثال حجري
منها إلى وجه حيّ. حين اقتربت، تحركت عيناه فقط، تتبعان خطواتها كما لو كان يعدّها
واحدة واحدة.
– التدريب يبدأ بعد عشر دقائق، قال
بصوت منخفض، لكنه حاد بما يكفي ليمزق ما تبقى من نعاس في رأسها. ثم أضاف، دون أن
يكلّف نفسه النظر مباشرة إلى عينيها: الأوامر الجديدة تنص على أن تكوني ضمن
المجموعة الأولى.
رفعت
حاجبًا، دون أن تتمكن من إخفاء دهشتها.
– المجموعة الأولى؟ ظننت أن وجود
"بشرية" بينكم يصلح فقط للمجموعات الخلفية، حيث لا يراها أحد.
انعقدت
زاوية فمه في شبه ابتسامة لم تكتمل، أشبه بانقباضة عابرة منها بأي مظهر من مظاهر
المرح.
– الظروف تغيّرت، قال وهو يشيح بوجهه
نحو النافذة. لا وقت لدينا لنخفي أحدًا في الخلف.
صمته بعد
تلك الجملة كان أبلغ من أي تفسير. لم يكن بحاجة لأن يكرر على مسامعها ما قاله لها
بن في تلك الليلة: "تحركات متمردين على الحدود الجنوبية، حالة تأهب
قصوى". الكلمات التي حاولت أن تطرد صداها من رأسها، لكنها ظلت تلتف داخله مثل
أفعى لا تفارق مكانها.
في ساحة
التدريب، كانت الأرض رطبة قليلًا من ندى الفجر، والعشب يحمل قطرات صغيرة تشبه
زخارف زجاجية على أطرافه. صفوف من الأجساد المدربة امتدت أمامها، كل واحد منهم
يحمل في ملامحه مزيجًا من التركيز والاستنفار، كأن كل عضلة فيهم تستعد لأن تُستدعى
في أي لحظة. حين تقدمت إلى الصف الأمامي، أحسّت ببعض الرؤوس تستدير نحوها، بسرعة
خاطفة، ثم تعود إلى وضعها، لكنها التقطت في الأعين بريق استغراب، وربما اعتراض
مكبوت.
– مكانك هنا، أشار البيتا إلى فراغ
بين بن وتومي، دون أن يفسح لها المجال للمجادلة.
وقف بن
على يمينها، كتفاه المشدودتان تفضحان توترًا رغم هدوء وجهه الظاهر. لم يقل شيئًا،
لكنه حرك يده قليلًا، لمسة سريعة على ساعدها، كأنها تحية صامتة أو اعتذار مبطن عن
وضعها في مرمى تلك النظرات.
أما تومي،
على يسارها، فلم يستطع أن يمنع نفسه من الهمس:
– أخيرًا، ترقّيتِ من مقاعد
الاحتياط، يا آنسة بشرية.
رمقته بنظرة جانبية، نصف مهددة، نصف ممتنة لمحاولته تخفيف الجو
.– انتبه لنفسك، تمتمت. اليوم تحديدًا
لا أضمن أني لن أستخدمك ككيس ملاكمة احتياطي.
قبل أن
يردّ، دوّى صوت البيتا في الساحة، لا مرتفعًا حد الصراخ، ولا هادئًا حد الإهمال؛
نبرة مدروسة بعناية تفرض الطاعة دون الحاجة إلى تهديد صريح. شرح لهم خطة التدريب:
محاكاة لهجوم مباغت، تقسيم المجموعات، توزيع الأدوار. بينما كان يتحدث، انتبهت
كينيدي إلى شيء لم تدركه من قبل: كل مرة يذكر فيها "الدائرة الداخلية"
يدرج اسمها الآن ضمن القائمة. لا تعليقات، لا استثناءات، كأن وجودها هناك قدر
محسوم، لا استثناء مؤقت.
مع أول
صافرة، انطلقت الأجساد في حركة منسّقة، خطواتهم على الأرض أشبه بإيقاع طبول حرب
قديمة. كانت كينيدي تتحرك بينهم، خفيفة، سريعة، كأن الأرض تعرف قدميها جيدًا. لم
تعد تتعثّر كما في الأيام الأولى، ولا تتأخر نصف ثانية عن الإيقاع الجمعي. في كل
اندفاع، في كل التفاف، كانت تحس بأن جسدها يسبق تفكيرها إلى الرد، يدها ترتفع قبل
أن ترى اللكمة، ركبتها تتوثب قبل أن تُنفَّذ الحركة أمامها.
"مجرد بشرية"، ردّد صوت داخلي
ساخر في رأسها. لو كانت "مجرد" فعلًا، لما كانت قادرة على مجاراة ذئاب
مدربة، ولا على التقاط أنفاسهم قبل أن تلتقط أنفاسها.
خلال
استراحة قصيرة، جلست على الحافة الحجرية للساحة، تضع قارورة الماء بين راحتيها، لا
تشرب بقدر ما تستند إلى برودتها. جلس بن قربها، على مسافة صغيرة محسوبة، لا قريبة
حد الحميمية، ولا بعيدة حد الغربة.
– كيف حال الكوابيس؟ سأل دون مقدمات.
شدّت
قبضتها على القارورة، ثم أرخَتها.
– أقل ضوضاء، أكثر… حضورًا. لم أعد
أصرخ كثيرًا، لكني أستيقظ وأنا أشعر كأنني لم أنم أصلًا.
أومأ بن،
كأنه كان يتوقع الإجابة. ظل ينظر أمامه، إلى ساحة التدريب التي بدأت تفرغ من
المتدربين، ثم قال بنبرة هادئة، لكنها حاسمة:
– البيتا يرى كل شيء، كينيدي. حتى ما
تحاولين إخفاءه.
– هل هذا تهديد رسمي؟ حاولت أن تخفف
وقع الجملة بنبرة ساخرة، لكن قلبها تسارع قليلًا رغم ذلك.
هز رأسه.
– ليس تهديدًا. تنبيه فقط. وجودك هنا
لم يعد مجرد "استثناء من أجل خاطر الألفا". هناك من بدأ يسأل: ماذا تفعل
بشرية في قلب المقر، تتدرب مع النخبة، وتُعتبر من الدائرة الأقرب دون رتبة ولا دم؟
كادت تقول
"أنا نفسي لا أعرف"، لكنها ابتلعت الجملة. الحقيقة أنها بدأت تعرف، أو
على الأقل بدأت تشك. ذلك الصوت الذي ينهض في أعماقها كلما سمعت عواء بعيدًا، تلك
الرعشة الغريبة التي تتسلل إلى أطرافها حين يتحرك القطيع كجسد واحد… كل هذا كان
أكبر من مجرد تأثر بعادات مكان عاشت فيه.
قبل أن
تجد ما تقوله، جاء صوت البيتا مرة أخرى، يعلن انتهاء التدريب الصباحي، ويستدعي
مجموعة صغيرة باسمه: بن، جايسون، تومي… وكينيدي.
تبادل
الثلاثة نظرات سريعة، مزيج من الفضول والحذر، ثم تحركوا نحوه. كان واقفًا عند حافة
الساحة، يطالعهم بنظرة تقيس أكثر مما تراقب.
– لديكم مهمة، قال دون التفاف. ليست
رسمية بعد، لكنها اختبار لمدى استعدادكم لما هو قادم.
تغيّرت
ملامح بن قليلًا، لكنّه لم يتكلم. تومي، بطبيعته، كان الأقرب لأن يسأل، لكن هذه
المرة ظل صامتًا هو الآخر، كأن نبرة الرجل سحبت الكلمات من حنجرته قبل أن تخرج.
– هناك فجوة في المراقبة على الطرف
الغربي للغابة، تابع البيتا. أجهزة الاستشعار تعطينا قراءات متقطعة، كأن شيئًا ما
يختبر حدودنا. نحتاج إلى مجموعة تتحرّك بخفة، لا تلفت الانتباه، تتأكد إن كان ما
يحدث عبثًا برياح أو… شيئًا آخر.
أدار رأسه
نحو كينيدي تحديدًا، لأول مرة منذ الصباح، ونظر مباشرة في عينيها. شعرت للحظة أن
الأرض انكمشت تحت قدميها.
– وجود بشرية بينكم سيكون… مفيدًا،
قال الكلمة الأخيرة ببطء، كأنه يتذوق غرابتها. إن كان هناك من يراقبنا، فلن يتوقع
أن نرسل واحدة من أضعف حلقاتنا الظاهرة في مهمة حساسة.
– أضعف؟ انفلتت الكلمة من فمها قبل
أن تتمكن من كبحها.
ارتفع
حاجب البيتا قليلًا، ثم انفرج فمه في ابتسامة باردة، لا تحمل سخرية ولا إعجابًا،
بل شيئًا بينهما.
– أضعف في نظر من لا يعرف، قال
بهدوء. وهذا بالذات ما نحتاجه.
لم تجد
ردًا. الحقيقة أن جزءًا منها شعر بالإهانة، لكنها لم تستطع أن تنكر أن كلامه يحمل
قدرًا من المنطق القاسي. أن تكون "نكرة" في حسابات العدو، ربما كان ذلك
هو السلاح الوحيد الذي تملكه في معركة لم تبدأ بعد.
سلّمهم
خرائط صغيرة مطوية، وتعليمات مختصرة: وقت خروج، وقت عودة، إشارة متفق عليها في حال
الطوارئ. وبينما كان يشرح، تسلل إلى ذهنها سؤال واحد، واضح، ملحّ: "هل يعرف
جيرميا؟"
كادت تسأل
بصوت عالٍ، لكن شيئًا منعها. لو كان يعرف، لعاد؟ أم ربما لا. الألفا لا يعود من
أجل مهمة استطلاع صغيرة. الألفا يتحرك فقط حين تُدَق الطبول الكبيرة.
بعد
الاجتماع، وفي طريق عودتها إلى غرفتها لتغيّر ملابسها استعدادًا للمهمة، مرّت
كينيدي أمام باب مكتب الشيوخ. كان الباب مواربًا قليلًا، ومن الداخل تسربت همسات
متقطعة، لكنها التقطت كلمات مفردة: "بشرية… خطر… نذير…"
في
غرفتها، وقفت أمام المرآة لثوانٍ طويلة. رأت فتاة بملامح عادية، عينين تملؤهما
دوائر من الأرق، شعرًا لا يستقرّ في مكانه مهما حاولت ترتيبه. لا أنياب، لا عيون
متوهجة، لا علامة تدل على أنها تنتمي إلى عالم يتحرك على حواف الأسطورة. ومع ذلك،
في عمق انعكاسها، كان هناك شيء آخر؛ لمعان خافت يشبه بريق عيون الذئاب حين يلتقطها
ضوء القمر.
نظرت إلى
القميص المطوي على سطح الخزانة. هذه المرة، لم تتردد. تقدمت نحوه ببطء، التقطته
بين يديها، ثم أعادت طيه بعناية أكبر، كأنها تهيّئه لرحلة لا تشمله. وضعته في
الدرج، أغلقت عليه بإحكام، ثم أسندت جبينها لثوانٍ إلى سطح الخشب.
– لن أخرج اليوم وأنا أختبئ خلف ظلك،
همست لنفسها.
حين خرجت من الغرفة هذه المرة، لم تشعر بأنها "ضيف" يغادر، بل فرد من هذا البيت يُستدعى إلى دور انتظره طويلًا دون أن يعترف لنفسه بذلك. في الممر، لم تبحث بعينيها عن البيتا، ولا عن نظرات الاستفهام التي اعتادت أن تهرب منها. كانت عيناها تتجهان إلى نقطة أبعد، حيث الغابة تمتد مثل وعد قديم، وحيث شيء ما ـ لا تعرف اسمه بعد ـ يتحرك على أعتاب حدودهم
.شيء
يقترب، ينتظر أن تلتقي خطواته الأولى بخطوتها هذه.
وهكذا،
كان اليوم الثالث بعد رحيل جيرميا هو اليوم الأول الذي خرجت فيه كينيدي من غرفتها
لا كمن ينتظر عودته، بل كمن يستعد، دون أن يدري، لاستقباله وهو يحمل معه عالمًا
مختلفًا تمامًا عن ذلك الذي تركها فيه.
.png)





مرحبا بتعليقاتكم وارائكم على موقع اسمع حكايتي سعداء بالاجابة عليها.