تابعنا

رفيقة الألفا التي لم يخترها القدر الفصل الأول: كينيدي

رفيقة الألفا التي لم يخترها القدر

رفيقة الألفا التي لم يخترها القدر

الفصل الأول: كينيدي

      استيقظت كينيدي مرة أخرى على حافة الصرخة. تلك اللحظة المعلّقة بين الحلم واليقظة صارت جزءًا من روتينها الليلي؛ صرير فرامل حاد، كتلة معدنية تنحرف بجنون، صوت اصطدام مكتوم، ثم تناثر الزجاج كالمطر القاسي على بشرتها، وجسدها يُقذَف للأمام بلا حزام أمان ولا يد تُمسِك بها. لا شيء يمكنها التمسك به، لا ذراع، لا مقبض، فقط الفراغ. ثمّ، كعادته، يجرّها وعيها فجأة إلى السطح.

فتحت عينيها على سقف غرفتها المألوف، جدران تعرف كل زاوية فيها حفظًا لا رغبة، لكنها مع ذلك لم تستطع طرد رائحة المطاط المحترق والوقود من أنفها. كل شيء في الحلم حيّ أكثر مما ينبغي؛ الصوت، الرائحة، الألم. مضت سنتان على الحادث، لكن الليل لم يتعلم بعد كيف يمرّ دون أن يعيد عرضه الدموي الخاص أمام عينيها.

رفيقة الألفا التي لم يخترها القدر الفصل الأول: كينيدي


لم تمهَل نفسها وقتًا لتستجمع أنفاسها؛ فباب غرفتها انفتح بعنف، ليظهر جسد طويل عريض يحفظه قلبها قبل عينيها. لم يحتج جيرميا إلى كلمات، كما لم تحتج هي إلى شرح. تسلل تحت الغطاء بخفة يعرفها جيدًا، ولفّها بين ذراعيه كما لو كان حصنها الوحيد من هذا العالم. أسندت رأسها إلى صدره، أرهفَت سمعها إلى نبضه العميق المنتظم، واستنشقت رائحة جسده الدافئة حتى بدأت بقايا الكابوس تنحلّ وتختفي. هكذا فقط كانت تنام نومًا هادئًا… عندما يكون قريبًا بما يكفي ليذكّرها بأنها ما تزال هنا، وأن ما تحمله من موتٍ في ذاكرتها لم يبتلعها بالكامل بعد.

لم يكن موت والديها مجرد خبر في تقرير شرطة، بل جرحًا مفتوحًا يرفض أن يلتئم. حين لم يتقدّم أحد من العائلة ليتحمّل مسؤولية فتاة مراهقة، كانت بيث –صديقة أمها منذ أيام الجامعة– هي من حملت هذا العبء بذراعين مفتوحتين. جلست بجانب سرير المستشفى لأسابيع، تحمل دموع كينيدي وصمتها، وتخوض مع الأطباء جلسة بعد أخرى لتضمن أن الفتاة الصغيرة لن تضيع بين الأدوية والمواعيد المؤجلة. في زمن قصير، تحولت "عمة بيث" من لقب لطيف إلى ملاذ حقيقي، أمّ ثانية لا تربطها بها الدماء، بل الخسارة نفسها. 

في الصباح، كانت بيث تقف في المطبخ كقلب ثابت لهذا البيت؛ جزيرة رخامية واسعة، أطباق تفوح منها رائحة الراحة قبل الطعام، وصوت حنون يسأل عن الليل رغم أن صرخة كينيدي وصلت إلى آخر الممر. وضعت أمامها طبقًا عامرًا بكل ما تحبه، فابتسمت كينيدي امتنانًا وبدأت تأكل، تحاول أن تدفن تعب الليل تحت مرارة القهوة وحلاوة الفطائر. 

لم يمضِ وقت طويل حتى انطلق الصوت الذي تعوّدته من أعماق المنزل، نداءً ممتزجًا بالضحك: "جاهزة؟" لم يحتَج جيرميا أن يظهر حتى تتخفف ملامحها من ثقلها. دخل بخطوات واسعة إلى المطبخ، يرمي تعليقًا ساخرًا على كمية الطعام في طبقها، فترد عليه بدفاع ساخر عن جسدها وتدريباتها، بينما تتبادل العيون بينهما مزاحًا مكتومًا لا يحتاج إلى شرح. كانت تعرف كما يعرف هو أن جسده ليس جسد فتى عادي؛ طول يزيد عن المتر وثمانين ببساطة، عضلات منحوتة من ساعات التدريب والدم الملكي الذي يجري في عروقه، شعر بني معتم يسقط في فوضى محسوبة فوق جبينه، وعينان بلون الكراميل الفاتح تحملان دفئًا وتهديدًا في آن واحد، وفقًا لمن يقف أمامه. 

في نظر القطيع، ذلك الشاب هو الوريث القادم، الألفا الذي سيحمل العبء والمسؤولية. في نظر كل الفتيات تقريبًا، هو الحلم الذي يجب الفوز به مهما كان الثمن. أما في نظر كينيدي، فكان شيئًا مختلفًا تمامًا؛ أخًا توأمًا وُلد معها في اليوم نفسه، تشاركها عيد الميلاد والذكريات وطفولة امتلأت بصور الأمهات وهما تديران استوديو اليوغا والدفاع عن النفس الذي أسستاه معًا. حين أصبحت بيث لونا، اضطرت أن تترك إدارة الاستوديو للأم، ثم عاد المكان بعد موت الأخيرة ليصبح إرثًا حيًا تركته لابنتها. هناك، بين حصائر التدريب والمرايا، تشعر كينيدي أن أمها لم تغادر الكوكب بالكامل بعد. 

في عالم الذئاب، لم يكن كونها بشرية تفصيلًا بسيطًا. كانت نقطة ضعف ظاهرة للبعض، و"إهانة" غير معلنة للبعض الآخر. كيف لفتاة لا يمكنها أن تتحول، لا تستطيع أن تتصل عبر المِندلينك، أن تتنقّل بارتياح داخل قطيع من المخلوقات الأقوى جسدًا والأسرع شفاءً؟ لكن كينيدي، بطريقة غامضة، كانت تتحرك بينهم كما لو أن جسدها يعرف لغة الذئاب من تلقاء نفسه؛ خطواتها مرنة، حواسها يقظة أكثر مما يُفترض لبشرية، وغريزتها في قراءة التهديد تشبه غريزة من وُلد للقطيع لا من انضمّ إليه صدفة. 

رغم ذلك، لم تكن كل العيون مرحبة. في المدرسة، تَشكّلت حول جيرميا حلقة من الفتيات الذئبات اللواتي رأت كينيدي أن لقب "فرقة الساحرات" يناسبهن جيدًا. كنّ يقفن عند موقف السيارات كل صباح تقريبًا، مستعدات لاستقبال الألفا الشاب بابتسامات مصطنعة وعطور مبالغ فيها، وفي الخلفية تتطاير الهمسات كلما مرت كينيدي بجانبه. لسن بحاجة إلى كثير من الخيال لابتكار إشاعات مؤذية عن "البشرية التي لا تستحق"، التي تعيش في بيت الألفا وتشاركه انتباهه، وتجلس بين أصدقائه الذكور بلا حرج. مضت الإشاعات من اتهامها بالضعف والهشاشة إلى وصفها بأنها "ساحرة" تستغل الرجال من حولها، مجرد كلمات، لكنها كانت تطعن في صميم شعورها بالانتماء. 

ما أن تصل إلى المدرسة حتى يكتمل مشهد الحماية غير المعلنة حولها. يأتي بن، البيتا القادم، بصمته الثقيل ونظراته التي تبقي الغرباء على مسافة. رجل بملامح قاسية، بشعر داكن ووشوم تمتد على ذراعيه، لا يبتسم كثيرًا، لكن وجوده كافٍ ليجعل كثيرًا من المتحرشين المحتملين يعيدون التفكير قبل الاقتراب. ثم تومي، الدلتا المرح الذي يحوّل كل موقف إلى نكتة، يطلق تعليقات غزلية تافهة مع كينيدي أمام الجميع، كأنه يعلن: "هذه من دائرتنا، من عائلتنا." وجايسون، الجاما الأشقر الهادئ، ابتسامته الخفيفة وحضوره المتوازن يكملون الدائرة حولها، كأنهم خط دفاع غير معلن. 

لكن حماية الأصدقاء لها لم تأتِ دائمًا بنتائج إيجابية. حين وصلت إلى القطيع بعد الحادث مباشرة، كانت في أضعف حالاتها؛ بالكاد تُقنِع نفسها بمغادرة السرير، والمدرسة تحولت إلى ساحة اختبار قاسية. عندما كان الأولاد يتدخلون للدفاع عنها في وجه الفتيات المتنمّرات، كان ذلك يزيد من صورتها كهدف سهل، "الإنسانة الضعيفة التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها". شيئًا فشيئًا، فهمت كينيدي أن الاعتماد على قوتهم وحدها لن ينقذها من نظرة الشفقة أو الاحتقار. 

عندها جاء الحل على هيئة دعوة قاسية إلى ساحة التدريب. جرّها جيرميا من سريرها يومًا بعد أن ضاق ذرعًا بانسحابها، وأصرّ أن تقف في الحلبة بجانب الذئاب. في البداية كانت تسقط كثيرًا، تتنفس بصعوبة، يثقل جسدها من الألم. لكن مع كل bruise جديد، تستعيد جزءًا من سيطرتها على حياتها. تحوّل الغضب من الحادث ومن الفقد إلى طاقة تتفجر في اللكمات والركلات. 

ثم جاءت تلك المواجهة الفاصلة. إحدى الفتيات التي حاولت السخرية منها في المدرسة، نصبَت لها مقلبًا أحمق انتهى بالسيروب على بنطالها، فأصبحت مادة ضحك للآخرين. قررت أن تثأر أمام الجميع في التدريب، واثقة أن "بشرية" مثل كينيدي لن تصمد أمام ذئبة مدرَّبة. لكنّ الحسابات الورقية سقطت في أول احتكاك حقيقي؛ أخذت كينيدي وضعية الدفاع كما تعلمت، قرأت حركة خصمتها، واستغلت غرورها لصالحها. في دقائق، انقلبت الأدوار. انتهت المواجهة والفتاة الذئبة هي من تتلوى على الأرض، والجميع ينظر إلى البشرية التي كسرت الصورة النمطية في لحظة واحدة. منذ ذلك اليوم، تغيّر شكل تدريبها؛ لم تعد مجرد فتاة تحتاج إلى حماية، بل "محاربة مستقبلية" تتدرب مع الأولاد وتشاركهم الجدية والانضباط. 

تدريجيًا، صار جسدها يتعلم طرقًا جديدة للتعويض؛ إن لم تستطع أن تلتئم عظامها بسرعة الذئاب، فبإمكانها أن تتقن حركات تجعلها أقل عرضة للكسر. إن لم تملك حاسة شم مثلهم، يمكنها أن تدرب سمعها وبصرها على التقاط أدق التفاصيل. ومع الوقت، أصبحت قادرة على خداع أفضل المتتبعين في القطيع، بل وحتى التضليل على جيرميا نفسه في بعض ألعاب الاختباء والتتبع التي كانوا يمارسونها تحت إشراف المدربين. 

ومع كل هذا، كانت الفجوة بين عالمها وعالمهم قائمة. هم يملكون رابط المِندلينك، شبكة صامتة من الأفكار والمشاعر تتدفق بينهم في سكون، بينما تُترَك هي دائمًا على حافة هذا الصمت، ترى نظراتهم تتغيّر فجأة دون أن تفهم ما الذي قيل في الداخل.  

 القطيع أكدوا أن ربط إنسانة مثلها بهذه الشبكة قد يكون خطرًا على ذهنها، وأن التجربة لا تستحق المخاطرة، فوافقت بيث فورًا على منع أي محاولة، لترسّخ أكثر إحساس كينيدي بأنها "قريبة جدًا من أن تكون ذئبة، وبعيدة جدًا في الوقت نفسه." 

في طريقهم إلى المدرسة ذلك الصباح، تكررت المحادثة القديمة بين كينيدي وجيرميا حول الجامعة. كان هو يقود سيارته السوداء ذات المحرك الهادر، يتحدث عن الرحلات القادمة للقاء الألفا الآخرين في التحالف، عن ضرورة بناء علاقات، عن ثقل اللقب الذي يقترب. كانت هي تنظر من النافذة، توازن بين رغبتها في البقاء قربه وبين شعورها العميق بأنها لا تنتمي بالكامل لهذا العالم. عندما سألها إن كانت ما تزال مصرة على الرحيل العام القادم، لم تتردد. أخبرته أنها "لا بد أن تذهب"، أنها بشرية لن تنتظر رفيق قدر، وأن وجودها هنا لا يحمل وظيفة واضحة. حاول أن يمزح، أن يذكّرها بأن الكل انتظر ليعرف إن كانا سيكونان رفيقي قدر، وأن فكرة أن تكون "توأمته" أقرب إلى الحقيقة من كل تلك التوقعات الرومانسية. ضحكت معه، لكنها لم تتراجع عن قرارها. 

           كان القطيع بالنسبة لها بيتًا، لكنه ليس كل البيت. هي بنت الاستوديو الذي تركته أمها، بنت المدينة التي لم ترها بعد خارج حدود الغابة، بنت الحلم الذي يقول إن بإمكانها أن تكون إنسانة كاملة، لا مجرد "استثناء" في عائلة من الذئاب. وبين الكابوس الذي يطارده ا الليل، والذئب الذي يحتضنها حتى تهدأ، كانت كينيدي تخطّ –ببطء– طريقًا لا تعرف نهايته بعد، لكنها تعرف جيدًا أنه لن يشبه أي طريق آخر. 

Enregistrer un commentaire

0 Commentaires
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.